خطبة الجمعة 26-12-2025 - الإمام الجواد(ع) وتجاوز عوامل التحدي
خطبة الجمعة 26-12-2025 - الإمام الجواد(ع) وتجاوز عوامل التحدي
في شهر رجب الكثير من المناسبات الإسلامية الخالدة منها: ولادة وشهادة الإمام علي الهادي (ع) في الثاني والثالث منه، ومنها: ولادة الإمام محمد الجواد (ع) في العاشر منه كما في بعض الروايات.
ومن المعلوم أن الإمام الجواد(ع) هو أول إمام من الأئمة الاثني عشر (ع) تولى الإمامة والقيادة وهو صغير السن، أي ابن ثماني سنوات تقريباً.
ثم جاء بعده ولده الإمام علي الهادي (ع) ليتولى شؤون الإمامة وهو بهذا السن أو أصغر, ثمان أو ست سنوات.
وبذلك يكون من جملة الأمور المشتركة بين هذين الإمامين هو توليهما الإمامة في سن مبكر.
ولأن تولي الإمامة والقيادة في هذا السن كان أمراً مُستهجناً وغير مسبوق, حيث لم يمر أتباع أهل البيت (ع) قبل الإمام الجواد(ع) بتجربة من هذا النوع, كان لا بد للإمام الرضا (ع) والد الإمام الجواد(ع) من أن يمهد لإمامة ولده الإمام الجواد(ع) المبكرة, حتى يتقبل أتباعه فكرة توليه الإمامة وهو صغير السن.
فقد قال الإمام الرضا (ع) لأحد أصحابه وهو صفوان بن يحيى الذي لم يتقبل أن يكون إمام المسلمين طفلاً صغيراً: وما يضره؟! فقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين..
كما أن الإمام الرضا (ع) قد استدل بما هو قريب من هذا لعلي بن اسباط ولمعلى بن محمد وهما من أصحابه أيضاً.
وفي محاولة أخرى من الإمام الرضا (ع) لتقريب هذا الأمر إلى أذهان أتباعه وعقولهم, نجده يقول أمامهم: هذا أبو جعفر (يعني الجواد "ع") قد أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني ثم قال: إنا أهلُ بيتٍ يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذة بالقذة.
ويبدو أن التمهيد لإمامة صغير السن لم يبدأ في زمن الإمام الرضا(ع) بل بدأ من عهد الإمام الصادق (ع) فقد قال أحد أصحابه وهو أبو البصير: دخلت عليه ومعي غلام يقودني خماسي لم يبلغ، فقال(ع): كيف أنتم إذا احتج عليكم بمثل سنه؟ وقال: سيلي عليكم بمثل سنه.
إذن التمهيد لإمامة الإمام الجواد(ع) وهو صغير السن كان قد حصل من قبل الأئمة (ع) الذين كانوا قبل الجواد(ع) ولا سيما من أبيه الإمام الرضا (ع).
وقد ساهم التمهيد لإمامة الجواد (ع) إلى جانب الوعي الذي كان يملكه أتباع أهل البيت (ع) عن الإمامة وشؤونها وأحوالها، في تقبل الأتباع والموالين فكرة تولي الجواد (ع) الإمامة وهو صغير السن، حيث نجد أن عموم الشيعة لا سيما العلماء منهم قد أذعنوا وسلموا بإمامة الجواد(ع) وتقبلوا إمامته بعد وفاة أبيه وهو لم يتجاوز الثماني سنوات, لأنهم كانوا يمتلكون الرؤية الواضحة, والوعي الكافي, والمعايير الصحيحة للإمام الحق، كانوا يعرفون أن المعيار في ثبوت الإمامة لشخص ما ليس كبر السن أو صغر السن، بل هو أن يكون معيناً ومنصوصاً على إمامته من الإمام الذي قبله, وأن يكون عالماً بالعلم الخاص الذي اختص الله به الأئمة (ع) , ومعصوماً وطاهراً ومنزهاً عن كل خطأ أو عيب أو ذنب.
وبسبب وعيهم هذا ومعرفتهم بالمعايير الصحيحة هذه, نجد أتباع الأئمة (ع) سرعان ما كانوا يكتشفون كذب وزيف من يدعي الإمامة زوراً, كما هو الحال بالنسبة إلى عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق الذي ادعى الإمامة لنفسه بعد وفاة أبيه الإمام الصادق (ع), وكذلك جعفر بن علي الهادي الذي ادعى الإمامة لنفسه بعد أخيه الإمام الحسن العسكري (ع)، فإن أمر هذين الرجلين قد افتضح وانكشف كذبهما بسرعة, حتى أن أولاد جعفر بن علي الهادي أنفسهم لم يقبلوا ولم يسلموا بإمامته وقالوا بإمامة المهدي.. كل ذلك لأن معايير الإمامة وصفات الإمامة الحقيقية, كالنص والعلم الخاص والعصمة, لم تكن متوافرة في شخصية هذين الرجلين،والمعايير الصحيحة للإمامة لم تنطبق عليهما, فكيف يمكن أن يكون ادعائهما للإمامة صحيحاً، بينما نجد في المقابل أن جمهور الشيعة والموالين وأتباع الأئمة (ع) يسلمون ويقبلون بإمامة الجواد(ع) بالرغم من صغر سنه، حتى أن عم أبيه علي بن جعفر, وقد كان من كبار العلماء وكان شيخاً كبير السن, كان يُظهر للإمام الجواد (ع) على صغر سنه الكثير من الاحترام والتقدير لأن الله اختصه بالإمامة وبالعلم الخاص.
إذن عموم الشيعة وعلماؤهم تقبلوا إمامة الجواد(ع) وهو ابن ثمان سنوات, لأنهم كانوا يعلمون بأنه منصوص عليه, وبأنه على درجة عالية من المعرفة والعلم الذي اختصه الله به, وبأنه معصوم وعادل وحكيم وشجاع وحازم وقمة في كل الصفات التي ينبغي توافرها في الإمام المعصوم.
إلا أنه رغم كل ذلك، لا يمكننا أن ننكر أن البعض من أتباع أهل البيت (ع) ولا سيما العوام منهم والضعفاء قد شككوا في البداية بإمامة الجواد (ع) ووقع البعض في حيرة, وانقسم الناس حول إمامته واستصغروا سنه حتى أن بعض المؤرخين يقول:
(لما قبض الإمام الرضا (ع) كان سن أبي جعفر(الجواد) نحو سبع سنين, فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار، فقام الريان بن الصلت وخاطب المشككين بسبب صغر سن الجواد قائلا لهم: إن كان أمره من الله، فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ وقوته، وإن لم يكن من عند الله، فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس.
ولعل حالة الشك هذه التي أحاطت بالإمام الجواد (ع) هي التي دفعت الناس الى طرح الأسئلة الكثيرة عليه, من أجل أن يختبروا علمه الخاص وسعة معرفته ليطمئنوا إلى إمامته الحقة.
ولذلك تقول بعض النصوص: إنه دخل على الإمام الجواد (ع) جماعة من الشيعة, فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة، فأجاب وله عشر سنين.
وكان الحكام المناوئون لأهل البيت (ع) يحاولون تأكيد هذه الشكوك وتعزيزها, ويغذون الاتجاهات الأخرى في مواجهة نهج الإمامة..إلا أن كل محاولاتهم فشلت, وكانت النتيجة الحاسمة هي أن هذه العقيدة, عقيدة الإمامة وإمامة الإمام الجواد (ع), قد خرجت من تلك التجربة الصعبة أكثر وضوحاً وأعظم ثباتاً ورسوخاً, وقد تجاوزت كل عوامل التحدي, وأفشلت كل محاولات التشكيك والنيل من صورة الإمام (ع) وعصمته ومكانته.
الطغاة والمستكبرون قد ينجحون في مرحلة ما أو في زمان معين أو في ظروف معينة, ولكنهم في نهاية المطاف يفشلون في تحقيق أهدافهم.. لأن أهدافهم تقوم على الباطل والتضليل والتزوير وتشويه الحقائق ..
لقد فشلت كل أهداف بني العباس ومحاولاتهم للنيل من الإمام الجواد (ع) ومن شخصيته ومن علمه ومقامه وعصمته وصورته المشرقة, فشلت كل محاولاتهم في ضرب خط أهل البيت (ع) ومدرستهم, وفي ضرب أتباعهم وشيعتهم.
واليوم العدوان وكل محاولات الاستهداف للمقاومة وبيئة المقاومة ستفشل باذن الله، لأن الاستكبار والطغيان والعدوان والتجبر والظلم واحد.. ونهايته الفشل.
اليوم العدوان الاسرائيلي المستمر على لبنان والضغوط السياسية والاعلامية وحملات التحريض والتشويه تحصل بالتكاتف والتأزر والتكامل بين اميركا واسرائيل
اميركا هي شريك كامل في كل التهديدات والاعتداءات التي يمارسها العدو الاسرائيلي بشكل يومي على لبنان
وكل الذي يحصل اليوم سواء على مستوى الاعتداءات والاغتيالات او على مستوى الضغوط السياسية والحصار والتضييق الاقتصادي والمالي والتحريض من ادوات الداخل انما هو لدفع لبنان والجيش اللبناني الى الفتنة والتحرك ضد المقاومة ودفع حزب الله الى التراجع والاستسلام
هذه الاهداف يعمل عليها الامريكي والاسرائيلي وادوات الداخل بكل الوسائل لكن يجب ان يعرفوا ان المقاومة لن تصطدم مع الجيش ولن تسمح بالفتنة الداخلية ولن تتراجع او تستسلم وعليهم ان ييأسوا
الرهان على دفع السلطة والجيش وبيئة المقاومة الى مواجهتها هو رهان فاشل ويوما بعد يوم يثبت ان هذا الرهان يسير نحو الفشل
نحن في حزب الله متمسكون بحقنا في المقاومة طالما هناك عدوان واحتلال ومن يعتقد انه يستطيع لي ذراع المقاومة فهو مخطىء جدا ، ولا شيء يمكن ان يجعلنا نتخلى عن هذا الحق، لا الاعتداءات ولا الاغتيالات ولا الحصار ولا العقوبات ولا الحملات الاعلامية ولا الافتراءات والاتهامات ولا الاحقاد التي نسمعها من هنا وهناك .
واهلنا الاوفياء هم معنا والى جانبنا يعبّرون بدورهم عن وفائهم لامانة الشهداء من خلال حضورهم في الميدان وتمسكهم بالمقاومة، بالرغم من من كل الالام والمعاناة وسياسة العدوان والضغوط التي يعتمدها الاعداء لابعاد اللبنانيين عن المقاومة.
والاستهداف المتواصل من العدو الاسرائيلي والادارة الامريكية وادواتهما في الداخل لن يغير في قناعات اهلنا ولا في مواقفهم من المقاومة، ولن يزيد المقاومة الا اصرارا على المضي في هذا الطريق.
والحمد لله رب العالمين